ابن كثير
360
البداية والنهاية
وتسعين ، وجاور إلى سنة تسع وتسعين سافر إلى عند عبد الرزاق إلى اليمن ، فكتب عنه هو ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه . قال الإمام أحمد : حججت خمس حجج منها ثلاث راجلا ، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهما . قال : وقد ضللت في بعضها عن الطريق وأنا ماش فجعلت أقول : يا عباد الله دلوني على الطريق ، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق . قال : وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة ، ولو كان عندي تسعون درهما كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج لأنه لم يمكن عندي شئ . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه عن حرملة : سمعت الشافعي قال : وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر فلم يقدم . قال ابن أبي حاتم : يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفي بالعدة . وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق ، وسمع من مشايخ العصر ، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم ، وقد سرد شيخنا في تهذيبه أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم ، وكذلك الرواة عنه . قال البيهقي بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد : وقد ذكر أحمد بن حنبل في المسند وغيره الرواية عن الشافعي ، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش ، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور ، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة . قلت : قد أفرد ما رواه عن الشافعي وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثا ، ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد عن الشافعي ، عن مالك بن أنس ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم بعث " ( 1 ) . وقد قال الشافعي لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ( 2 ) ومائة وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة . قال له : يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان أو شاميا أو عراقيا أو يمنيا - يعني لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين وينزلون أحاديث من سواهم منزلة أحاديث أهل الكتاب - وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد وإجلال له وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحح أو ضعف يرجع إليه . وقد كان الإمام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء كما سيأتي ثناء الأئمة عليه واعترافهم له بعلو المكانة في العلم والحديث ، وقد بعد صيته في زمانه واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق . ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الايمان وأنه قول وعمل ويزيد وينقص ، وكلامه في القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإنكاره على من يقول : إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن . قال : وفيها حكى أبو عمارة وأبو جعفر أخبرنا أحمد شيخنا السراج عن أحمد بن حنبل أنه قال : اللفظ محدث . واستدل بقوله
--> ( 1 ) مسند الإمام أحمد ج 3 / 460 . ( 2 ) تقدم أنهما اجتمعا سنة 195 ه ، انظر صفحة 275 .